من إدارة الأزمات إلى إدارة الوعي.. ملامح جديدة للعلاقات العامة الرقمية في التجربة المصرية
بقلم د. أسامة زارع
لم تعد الأزمة في عالم اليوم مجرد حدث مفاجئ يحتاج إلى قرار سريع لاحتوائه، بل أصبحت معركة متعددة الأبعاد، تمتد من الواقع إلى الفضاء الرقمي، حيث تتسابق المعلومات والشائعات، وتتعدد الروايات، وتُختبر ثقة الجمهور في المؤسسات. ومن هنا، لم يعد نجاح الدولة في إدارة الأزمة مرتبطًا فقط بقدرتها على التعامل مع الحدث، بل بقدرتها على إدارة المعلومات المصاحبة له والحفاظ على الثقة المجتمعية.
إننا أمام تحول جوهري في مفهوم إدارة الأزمات؛ فالأزمة الحديثة لها وجهان متلازمان: وجه واقعي يتعلق بتداعيات الحدث وإجراءاته، ووجه اتصالي يتعلق بكيفية تفسير الجمهور له، والمعلومات التي يتلقاها، ومدى ثقته في مصادرها. فقد تنجح المؤسسة في احتواء الحدث ميدانيًا، لكنها تواجه أزمة أخرى إذا أخفقت في التواصل مع الجمهور أو تركت المجال للمعلومات المضللة.
وهنا تبرز ثلاثة مستويات متكاملة لإدارة الأزمات: إدارة الحدث، وإدارة المعلومات، وإدارة الثقة؛ فالأولى تتطلب سرعة القرار وكفاءة التنفيذ، والثانية تستند إلى الشفافية والتحقق وسرعة التواصل، والثالثة تقوم على المصداقية والاستمرارية وبناء علاقة ثقة مع الجمهور.
وفي هذا السياق، تكتسب التجربة المصرية أهمية خاصة، في ظل ما واجهته الدولة من تحديات اقتصادية وإقليمية ومخاطر متغيرة. وقد برز دور القيادة السياسية، ممثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في التأكيد على أهمية الاستعداد المسبق، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، وتعزيز التنسيق بينها، والتعامل مع الأزمات برؤية استراتيجية تتجاوز الاستجابة الآنية.
ومن أبرز مؤشرات هذا التوجه تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال استعراض قدرات الدولة على مواجهة الأزمات والكوارث في يوليو 2026، أهمية إجراء محاكاة دورية للأزمات مرة أو مرتين سنويًا، بما يعزز جاهزية المؤسسات وقدرتها على التعامل مع السيناريوهات المختلفة، ويؤكد الانتقال من انتظار الأزمة إلى الاستعداد الاستباقي لها.
وتتضاعف أهمية هذا التحول مع تصاعد تداول المعلومات غير الدقيقة؛ إذ أشار تقرير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء عن النصف الأول من عام 2026 إلى ارتفاع الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو مؤشر يكشف أن التحدي لم يعد مرتبطًا بالأحداث وحدها، بل بكيفية تداولها وتفسيرها داخل المجتمع.
وتقدم التطورات المصرية خلال عام 2026 نموذجًا لهذا التحول، من خلال إطلاق منصة «Chat Egypt» التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الشائعات والتحقق من المعلومات وتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بسياقها الصحيح وإتاحة المعلومات من مصادرها الرسمية. وتكمن أهمية هذه التجربة في الانتقال من الاكتفاء بالرد على الشائعات بعد انتشارها إلى تطوير أدوات رقمية تساعد على رصدها والتحقق منها بصورة أكثر سرعة وتنظيمًا.
وهنا تبرز العلاقات العامة الرقمية باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في إدارة الأزمات، وليس مجرد وسيلة لنشر البيانات الرسمية. ومن هذا المنطلق، نطرح مفهوم «الإدارة الاستباقية للأزمات الاتصالية»، الذي يعني انتقال المؤسسات من انتظار الأزمة والرد عليها إلى استشعار مؤشراتها الرقمية المبكرة، والتنبؤ بأسئلة الجمهور ومخاوفه، وإعداد سيناريوهات اتصال تضمن سرعة الاستجابة ووضوح الرسالة واتساقها.
ويمتد هذا التحول إلى توظيف تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم اتجاهات الجمهور، ورصد مصادر القلق المجتمعي، وقياس ردود الفعل تجاه القرارات والسياسات، مع ضرورة الحفاظ على التحقق البشري والمسؤولية المهنية والشفافية باعتبارها شروطًا أساسية لمصداقية الاتصال.
إن التحدي الحقيقي أمام العلاقات العامة في المرحلة المقبلة ليس فقط كيف تتحدث المؤسسة أثناء الأزمة، بل كيف تستعد للتواصل قبل وقوعها، وكيف تحافظ على مصداقيتها بعدها. فإدارة الوعي لا تعني توجيه الجمهور أو الاكتفاء بالرسائل الرسمية، وإنما تعني إتاحة المعلومات الموثوقة، وتعزيز التفكير النقدي، وبناء الثقة المتبادلة بين المؤسسات والمواطنين.
وفي النهاية، فإن الدولة الحديثة لا يكفيها أن تدير الأزمة، بل تحتاج إلى إدارة الحدث والمعلومة والثقة في وقت واحد. فالأزمات قد تنتهي بإجراءات وقرارات، لكن آثارها على الوعي والثقة قد تستمر طويلًا. ومن هنا تصبح العلاقات العامة الرقمية شريكًا استراتيجيًا في حماية الاستقرار، وتصبح القدرة على إدارة المعلومات جزءًا لا يتجزأ من القدرة على إدارة الأزمات.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على تجاوز لحظة الخطر، بل بقدرتها على الخروج منها أكثر استعدادًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التواصل مع مواطنيها.

مدرس الاعلام الرقمي بالجامعة العربية المفتوحة فرع مصر



